الشيخ محمد حسين الحائري
326
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
وقوله تعالى ويريد الذين يتبعون الشهوات إلى غير ذلك ومن السنة قوله نية المؤمن خير من عمله وما دل على خلود أهل الجنة فيها وأهل النار فيها بنياتهم وما دل على أن نية السوء لا تكتب على هذه الأمة إلى غير ذلك فإن المراد بالنية نفس العزم وربما زعم بعض أنها مرادة بنفسها ولم يتفطن أن ذلك يوجب توقف الشئ على نفسه بل التحقيق أن تعريفهم للفعل الاختياري بما كان مسبوقا بالإرادة إن كان تعريفا لما عدا الإرادة لم يتوجه الاشكال بعدم انطباقه على الإرادة وإن كان تعريفا لمطلق الفعل الاختياري فممنوع بل الوجه أن يعرف بأنه الفعل الصادر عن الفاعل بشعوره وتمكنه فيعتبر في حقيقة الاختيار أمران الأول أن يكون الفاعل عالما بفعله شاعرا له على وجه يكون لعلمه وشعوره مدخل في صدوره عنه الثاني أن يكون متمكنا من الفعل والترك بمعنى أن يكون بحيث له أن يفعل وله أن لا يفعل وأما كونه بحيث إن أراد فعل وإن أراد لم يفعل فإنما يعتبر في صدور الأفعال الاختيارية التي تتوقف على سبق الإرادة لا مطلقا وقد يتوقف صدورها على أمور أخر أيضا كوجود الآلات وما يتعلق بها وذلك لا يقتضي توقف كل فعل اختياري عليها فاتضح أن الإرادة من الأفعال الاختيارية ولا يتوقف صدورها عن الفاعل بالاختيار على إرادة هذا ما يقتضيه النظر الصحيح في المقام وأما الدواعي فناشئة من إدراك الفاعل بحال الفعل بضميمة ما فيه من الملكات والأحوال المستندتين من حيث الوجود إلى صانعه ومن حيث القابلية إلى ذات الفاعل إما ابتدأ أو بواسطة أفعال أخر نرجع سلسلة استنادها إلى الذات وهي بعد وجودها قد يتمكن من دفعها بسهولة إما لضعفها في نفسها أو لمعارضتها بدواع آخر قريبة منها في القوة وقد يتوقف على استعمال رياضات ومزاولة مجاهدات لتمكنها في النفس ورسوخها فيها وعلى التقديرين فوقوع الإرادة والفعل على حسبها اختياري أما على الأول فواضح وأما على الثاني فلتمكنه من ترك الانقياد لها وعدم الاعتداد بها وإن كان لا يفعل على التقديرين البتة عند عدم وجود دواعيه وإذا ثبت مما مر أن المقتضي للفعل الاختياري والموجد له هو الفاعل القادر المختار وأن الداعي المعتبر أو الإرادة شرط في اقتضائه تبين أن علية الفاعل لصدور الإرادة منه بقدرته واختياره تتم عند وجود الداعي المعتبر وعليته لصدور الفعل منه كذلك تتم عند وجود الإرادة وأما عدم الموانع المجامعة للاختيار فداخل في اعتبار الداعي إذ الداعي المعتبر لا يجامع المانع الاختياري فإن المراد به ما سلم منه فاتضح مما قررنا أن الأفعال الاختيارية واجبة الصدور عن الفاعل المختار عند وجود الدواعي المعتبرة في نظره وأن وجوبها حينئذ بقدرته واختياره فلا ينافي قدرته واختياره بل يستلزمهما ضرورة أن وجود المعلول يستلزم وجود العلة لا أنه ينافيه وقد أشير إلى الأمر الأول من جريان الافعال على حسب الدواعي في قوله تعالى قل كل يعمل على شاكلته وقوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه وإلى الأمر الثاني من بقاء القدرة والاختيار معها بقوله تعالى وما كان له عليهم من سلطان وقوله تعالى حكاية عن الشيطان وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم وهذا أمر واضح بعد الرجوع إلى الوجدان فإنا نجد أنفسنا عند وجود الدواعي المعتبرة متمكنين من الفعل والترك وإن علمنا باستحالة أحدهما من جهة الاختيار وإذا عرفت ذلك اتضح عندك معنى قوله عليه السلام لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الامرين فإن كون الدواعي التي تجري الأفعال الاختيارية على حسبها موجودة في العبد بإيجاده تعالى على حسب ما فيه من الاستعداد الذاتي أو الكسبي يوجب نفي تفويض أمر الفعل إليه بالكلية وصدور أفعاله عنه على حسب تلك الدواعي بقدرته واختياره يوجب نفى إجباره عليها وأيضا كون أفعال العبد مستندة إلى إقداره تعالى له عليها حال صدورها منه يوجب نفي التفويض بمعنى استقلال العبد بها وصدورها عنه بذلك الاقدار يوجب نفي الجبر لاستنادها إلى قدرته المخلوقة فيه ومما ذكرنا يرتفع الاشكال عن قوله تعالى من يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء فإن شرحه تعالى لصدور من أراد هدايته بإكرامه بالألطاف الموجب لحصول دواعي قبول الهداية فيه لأهليته واستعداده لذلك لا يوجب قبوله للهداية بالاضطرار بل بالاختيار وكذلك تضييقه لصدر من أراد إضلاله من تلك الألطاف الموجب لحصول دواعي الضلالة فيه لا يوجب قبوله للضلالة بالاضطرار بل بالاختيار وبهذا الاعتبار نسب الهداية والاضلال إليه تعالى في هذه الآية وغيرها وكذلك نسب الاغراء إليه في قوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم كما أنه نسب الاضلال إلى الشيطان في قوله تعالى ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا باعتبار أنه يدعوهم إلى الضلالة ويعدهم ويمنيهم بالأماني الفاسدة وإلى أنفسهم في قوله وما يضلون إلا أنفسهم وقوله وضلوا عن سواء السبيل باعتبار اختيارهم للضلالة واغترارهم بالأماني الواهية وكذا يرتفع الاشكال عن قوله وما تشاءون إلا أن يشأ الله وقد ورد عنهم عليهم السلام ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فإن مشيته تعالى وإرادته وتقديره وقضاءه وإمضاءه المستند كل لاحق منها إلى سابقه كما ورد في بعض النصوص إنما تجري على حسب استعداد القابل لها إيتاء لكل ذي حق حقه لان ذلك قضية قدرته الشاملة وعلمه النافذ وحكمته البالغة وبهذا البيان ينكشف أيضا معنى قوله تعالى ولو شاء ربك لامن من في الأرض كلهم جميعا وقوله ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله وأمثال ذلك إذ ليس ظاهر المعنى أنهم كانوا يؤمنون عند مشيته إيمانهم جبرا وقهرا كما ذكره بعضهم فإن ذلك